لا بد للشاب الذي يعاصر كل هذي الفوضى، التي تتأتى من التشتيت التكنولوجي، وبعثرة ا...

لا بد للشاب الذي يعاصر كل هذي الفوضى، التي تتأتى من التشتيت التكنولوجي، وبعثرة الانترنت الشبكية، أنْ ينأى بنفسه جزءًا من كل سنة عن عالم الزيف وعوالم الإرهاق الذهني والشلل الفكري، إنني أذكر جيدا سنةً كاملة -ونيف- عشتها من غير إنترنت أو حتى هاتفٍ ذكي، على أنها قد كانت السنة الأجود، إنتاجا وعذوبةً فكرية وبأسا ذهنيًّا، إنك لتحس إذ ذاك بأنَّ أخف نسمات الهواء لقادرةٌ على أن تدُبَّ في رأسك الكهرباء، وإنك لتنتعش أيَّما انتعاش بصوت عصفور يزقزق في صباحية رائقة، كما أنك لتشعر برتابة تفقدك إياها الذبذبات التكنولجية.

العزلة الدورية أمرٌ جَلَل، هذا في كل وقت، أما في عصر التقنية فقد صارت أمرا جدَّ ضروري، إنَّ لِكل ما هو اجتماعي قدرةً على أن يسلبك صفاءَك، فكيف إذا كانت هذي الاجتماعيات خليطا متراكما من المشتتات المبعثِرات القميئات؟ تصوَّر رجليْن، أحدهما في غابة يصحو مراقبا البُوم وسارحا في الكُرُوم، والثاني تُيْقِظُهُ إشعارات الانترنت! أيُّ قماءةٍ في العيش هذي! بل أيُّ ردءاة ينزِلها الإنسان وينزل قعرها برجله!

ذكر ابن أبي الدنيا أثرا عن سفيان الثوري أنه قال: ما شيء خير للإنسان من جحر يدخل فيه.
وذكر عن مكحول أنه قال: إن كان الفضل في الجماعة، فإن السلامة في العزلة.

كما ذكر عن نصر بن أبي كثير أنه قال: من خالط الناس داراهم، ومن داراهم راءاهم.
وعن الأوزاعي أنه قال: العافية عشرة أجزاء: تسعة أجزاء منها صمت، وجزء منها الهرب من الناس

وعن الربيع بن خثيم أنه قال: تفقه ثم اعتزل.
وعن سعيد بن المسيب أنه قال: عليك بالعزلة، فإنها عبادة.

وكما قال شوبنهاور: يكون المرء على حقيقته حينما يكون وحيدا فحسب، وإذا لم يكن يحب العزلة، فإنه لا يحب الحرية؛ لأنه يكون حرا فقط حينما يكون وحيدا.
```