عند الأخ: "لا يمكن للتفلسف أن يكون إلا مثاليا، والمادي المتسق مع نفسه لا يكون متفلسفا" لماذا

عند الأخ: "لا يمكن للتفلسف أن يكون إلا مثاليا، والمادي المتسق مع نفسه لا يكون متفلسفا"
لماذا؟
"لأن التفلسف يفترض ابتداءً حالة مثالية يبدأ العقل منها النظر، وهي حالة متحررة من كل قيد فيما نسميه نحن الفطرة والطبع، أو أن تكون تصورات العقل تابعة للوجود الخارجي"

فالرجل، الذي يريد نقد المادية، يستهل كلامه بالمصادرة على المطلوب، وما أقبحه من استهلال! فزعْمُه أن التفلسف يفترض "ابتداءً" المثاليةَ، هو عينُ ما حرره في المقدمة، ثم إذا به يدلل على مقدمته بذاتها! فهل تراني أقول: إن الإنسان لا يكون إلا حيوانا. ثم أدلل لك بقولي: لأن الإنسان يحوز صفات الحيوان!

من يبدأ كلامَه ناقدا، فتكون المصادرةُ على المطلوب أولَّ ما يفتتح به خطابه، فإن استخراج نَسَقٍ من عنده يكون صعبا، ومن هنا تبطل الحاجة للرد على كافة مقاله، يُضافُ إلى هذا تبعثرُ ما يحاول سياقَه من السياقات، وأما عن قوله "المادي المتسق مع نفسه لا يكون متفلسفا"، ومن باب معاملة الغير بأساليبهم، إذ أنه يتمسح بما يزعمه عن الفلاسفة في حَكْيِه، فإنني أورد قولا لشوبنهاور، أحد أقطاب المدرسة المثالية في الفلسفة:
"ومن بين كل المذاهب الفلسفية التي تبدأ من الموضوع، فإن النزعة المادية هي التي يمكن إجراؤها على النحو الأكثر اتساقا، ومد نطاقها إلى أبعد مدى"¹

1. شوبنهاور، العالم إرادة وتمثلا، الكتاب الأول، ص88، ترجمة سعيد توفيق، المركز القومي للترجمة.
```