حُكي عن ابن عباس أنه أُتيَ بشاب محمول -عُروة بن حزام- قد صار كالشنّ البالي، فقيل له: استشفِ الله لهذا المريض، يا ابن عمّ رسول الله، فقال له ابن عباس: ما علّتُك يا فتى؟ فلم يُحِرْ جوابا، ثم رفع رأسه، وقال بلسان فصيح طليق:
به لوعةٌ لو تشتكي الصُمُّ مثلَها ■■■■ تفطَّرت الصُّمُّ الصِّلابُ وخرَّتِ
ولو قسم اللهُ الذي بي من الهوى ■■■■ على كل نفس حظَّها ما أبلتِ
ثم خَفَتَ خفتةً ثم فتح عينيه وهو يقول:
بنا من جوَى الحبّ المُبرِّح لوعةٌ ■■■■ تكادُ لها نفسُ الشفيق تذوبُ
ولكنّما أبقَى حُشاشةَ ما ترَى ■■■■ على ما به عودٌ هناك صَلِيبُ
فقال ابن عباس: ممّن الرجل؟ فقال: من بني عُذرة، ثم شهق شهقة فمات. فقال ابن عباس لجلسائله: هل رأيتم وجها أليَق ولسانا أذلقَ من هذا؟ هذا والله قتيلُ الهوى لا قَودَ له ولا دِية، وإلى الله أرغبُ في العافية مما نَرى¹
فصاح بعضُهم لما مرَّ بمنزلِ عفراء:
ألا أيـها القصر المعقل أهلها ■■■■ بحق نعينَا عُروة بن حِزام
فسمعته عفراء فأجابته:
ألا أيها الركب المخبون ويحكم ■■■■ بحق نعيتم عُروة بن حزام
فأجابوها:
نعم، قد تركناهُ بأرض بعيدةٍ ■■■■ مقيمًا بـها في دكدك وأكام
فقالت لهم:
فإنْ كان حقًّا ما تقولون فاعلموا ■■■■ بأن قد نعيتم بدْرَ كل ظلامِ
فـلا لـقـيَ الفـتـيـان بـعـدك لـــذَّة ■■■■ ولا رجعوا من غيبة بسلامِ
ولا وضـعت أُنثـى تـمـامًا بمثلـه ■■■■ ولا فرحت من بعده بغلامِ
ولا لا بلـغتم حيـثُ وجـهـتمُ لـه ■■■■ ونغصتم لذات كل طعــامِ
ثمَّ سألتهم: أين دفنوهُ؟ فأخبروها، فسارتْ إلى قبره، فلمَّا قربوا من موضع قبرِه قالت: إنِّي أُريد قضاء حاجة، فأنزلوها فانسلت إلى قبره فانكبتْ عليه تبكي، حتَّى بقيت تبكي على القبر ثلاثة أيام لم تأكل ولم تشرب، فما راعهم بعدها إلَّا صوتها، فلمَّا سمعوها بادروا إليها فإذا هي ممدودة اليدين على القبر قد خرجت نفسها، فدفنوها إلى جانبِه.
قال معاذ بنُ يحيى الصنعانيُّ: خرجتُ من مكَّة إلى صنعاء، فلمَّا كان بيننا وبين صنعاء خمس رأيتُ النَّاس ينزلون عن محاملهم ويركبون دوابهم! فقلت: أين تريدون؟ قالوا: نريد ننظر إلى قبر عفراء وعُروة. قال معاذٌ: فنزلتُ عن محملي وركبت حماري واتَّصلت بهم، فانتهيتُ إلى قبرين مُتلاصقين قد خرج من هذا القبر ساق شجرة لم أر مثلها ومِن هذا ساق كنفسِ الشَّجرة، حتَّى إذا صارَا على قامة التقيَا فكانَ النَّاسُ يقولون: تآلفَا في الحياة وفي الموت. قال معاذٌ: وقد سألتُ أهلَ القرية عن هذه الشَّجرة فقالوا: لا يُعرف هذا الشَّجر ببلادنا.
وكان موته في حدود سنة ثلاثين من الهجرة.
وبلغ الخبر مُعاوية رضي الله عنه فقال: لو علمتُ بهذَين الشَّريفَين لجمعتُ بينهما. قالَ عِكْرمة: مكثَ عبدُالله بن عبَّاسٍ -رضي الله عنه- بعد هذه القصَّة أربعين يومًا لا يسأل الله بعد صلاتِه إلَّا المعافاة منَ العشق. وكان يقول: «هذا قتيلُ الحبِّ».