"حدثنا يونس بن عبد الأعلى قال: ما رأيت أحدًا لقى من السقم ما لقى الشافعي، فدخلت...

"حدثنا يونس بن عبد الأعلى قال: ما رأيت أحدًا لقى من السقم ما لقى الشافعي، فدخلت عليه يوما فقال لي: يا أبا موسى، اقرأ عليَّ ما بعد العشرين والمائة من آل عمران، وأَخِفَّ القراءة ولا تثقل. فقرأت علَيه، فلما أردت القيام قال: لا تغفل عني فإني مَكْرُوبٌ.

حدثنا الربيع بن سليمان قال: دخل المزني على الشافعي في مرضه الذي مات فيه فقال له: كيف أصبحت يا أستاذ؟ فقال: أصبحت من الدنيا راحلاً، ولإخواني مُفارقاً، ولكأس المنيّة شارباً، وعلى الله وارداً، ولسوء أعمالي ملاقياً. قال: ثم رمى بطرفه نحو السماء واستَعْبر، ثم أنشأ يقول:
إليكَ إلهَ الخلْقِ أَرْفعُ رغبتي ●●●● وإنْ كنتُ ياذَا المَنِّ والجودِ مُجْرِماَ
ولما قسَى قلْبي وضاقت مذاهبي ●●●● جعلتُ الرّجا منّي لعفوك سُلَّما
تَعَاظَمَنِي ذنبي فلما قَرَنْتُه ●●●● بعفوك ربّي كان عَفْوُكَ أَعْظَما
ومازلتَ ذا عفوٍ عن الذنب لم تزل ●●●● تجودُ وتعفو مِنّةً وتكرُّما
ولولاك مَا يقوى بإبليسَ عابدٌ ●●●● فكيف وقد أغوى صَفِيَّكَ آدَمَا
فإن تعْفُ عنّي تعْفُ عن مُتَمَرِّدٍ ●●●● ظلومٍ غشوم ما يُزَايل مَاثَمَا
وإن تنتقم منّي فلست بآيسٍ ●●●● ولو أدخلت نفسي بجرمي جَهَنَّمَا
فَجُرْمِي عظيمٌ من قديم وحادث ●●●● وعفْوُكَ ياذا العَفْوِ أعْلَى وأجْسَما"

~ مناقب الشافعي، أبو بكر أحمد بن الحسين البيهقي، تحقيق: السيد أحمد صقر، الجزء الثاني، ص294-295، مكتبة دار التراث.
```