《ثم توفرتُ على العلم والقراءة سنة ونصفا، فأعدت قراءة المنطق، وجميع أجزاء الفلسفة، وفي هذه المدة، ما نمت ليلةً واحدة بطولها، ولا اشتغلت النهار بغيره، وجُمعت بين يدي ظهورا، فكل حُجِّة كنت أنظر فيها، أُثبت مقدمات قياسها ورُتبتها في تلك الظهور...ثم نظرت فيما عساها تنتج، وراعيت شروط مقدماتها، حتى تحقِّق لي حقيقةَ الحق في تلك المسألة. وكلما كنت أتحيَّر في مسألة ولم أكن أظفر بالحد الأوسط في قياسٍ، ترددت إلى الجامع، وصلَّيْتُ وابتهلتُ إلى مبدع الكُل...حتى فُتح لي المنغلق، وتيسَّر المتعسر.
وكنت أرجع بالليل إلى داري، وأضع السراج بين يدي، وأشتغل بالقراءة والكتابة. فمهما غلبني النوم أو شعرت بضعف، عدلت إلى شرب قدح من الشراب، ريثما تعود إليَّ قوتي، ثم أرجع إلى القراءة. ومهما أخذني أدنى نومٍ أحلم بتلك المسائل بأعيانها، حتى إن كثيرا من المسائل، اتضح لي وجوهها في المنام..وكذلك حتى استحكم معي جميع العلوم، ووقفت عليها بحسب الإمكان الإنساني》
~ ترجمة ابن سينا بنقل أبي عبيد الجوجزاني، عيون الأنباء في طبقات الأطباء، ابن أبي اصبيعة، 1242-1269م، ص438