النقد العلمي والتأدب لا يلتقيان، وذا راجعٌ في حقيقة الأمر إلى أن ما يُساقُ علميّ...

النقد العلمي والتأدب لا يلتقيان، وذا راجعٌ في حقيقة الأمر إلى أن ما يُساقُ علميًّا على أنه علمي، لم يُسَق بالتبسُّم في وجوه العلماء، ولا بأنْ يخرج إليهم المرء قائلا: "أنا مسكين، فلو تقبلون كلامي حفظكم الله"، بل مَن اقتحم عوالم العلوم والآداب قد بنى فِكَرًا بتهديم أُخَر، وعلا سُلَّمًا بعد أن تجاوز طوابقا، ففي حالٍ طبيعية كهذه، لا يخشى المرء كثيرا من أن توجه إليه النقود، لكنَّ البئيس الذي أقحَم نفسه في مسائل لم يخَضْ فيها سيرى أيَّ نقد وكل نقد وُجِّه إليه على أنَّ فيه قِحَّة تجاه شخصه الرفيع، ومقامه البديع، متوهما النقد على أنه معاملة شخصية له، كما لو أن الناقد سيلقي عليه الصباح، أو يُقبِل إلى غداء عنده في منزله، فإقحام الأساليب التي يستخدمها القوم في معاملاتهم الشخصية إلى دنيا النقد، كفيلٌ بأن يخرِّب الهدف الرئيس من وراء وجود النقد أصلا

تجد عيِّنات كثيرة قد استرسلت في لغو من الحديث ولهو، جل كلامها خاطئ، وبقية الكلام محل خلاف، إلا أن الواحد فيها قد اعتلت نبراتِه الثقة، وسادت سياقاتُه الفذلكة، وحينما يُنقَد، هذا إذا لم يكن يُنقَض، فإن الصياح يعم والغباء يطم، استهجانًا للشدة في النقد والحمية في الصد، ومطالبةً بتأديب الرد، على أساس أن صاحبنَا الذي تم عليه النقد قد كان مؤدبا، وهل الأدب في انتقاء الكلمات؟ أو روعة السياقات؟ أم في الاحترام الجوهري للخَرْطِ العلمي؟ فما دام صاحبنا محترما في أسلوبه وقحا في مضمونه، فإن القحَّة أولى بالأسلوب من المضمون!
```