الفرضية التي لا يمكن إقامة الدليل عليها وفي ذات الآن لم تُدحَض إلى يومنا: أطروح...

الفرضية التي لا يمكن إقامة الدليل عليها وفي ذات الآن لم تُدحَض إلى يومنا:
أطروحة تورنغ - تشيرش Church-Turing thesis في علم التحسيب النظري والرياضيات ومؤدياتها الفلسفية والعملية

تؤسس أطروحة تورنغ - تشيرش لمبدأ أساسي في علم التحسيب يقوم على مساواة المفهوم البَدَهيّ intuitive notion لقابلية التحسيب computability مع مفاهيم أخرى لقابلية التحسيب مثل الدوال الترجيعية recursive functions وحساب لامدا Lambda calculus وآلات تورنغ Turing machines وقد طُرِحَت على أيادي عملاقَيْ علم التحسيب ألونزو تشيرش وآلان تورنغ عند ثلاثينيات القرن المنصرم كُلًّا على حدة. وأصبحت الأطروحة حجر بناء هام في علم التحسيب النظري مع مؤديات عميقة لكل من نظرية الحساب theory of computation ونظرية التعقيد complex theory وصولا إلى فلسفة العقل Philosophy of mind

وإذا ما أردتَ إرجاع الأطروحة إلى جذرها الرئيس فإنك سترى أنها تدور في رحى مفهوم خوارزمية فعَّالة effective algorithm والتي تعني مجموعة خطوات محدودة لإتمام مهمة والتي سوف تصدر نتيجةً في عدد محدود من الخطوات، وقد صاغ تورنغ الأطروحة من جانبه على النص بأن أي دالّة قابلة للحساب بفعالية effectively computable عبرَ خوارزمية معينة فإنه بالوسع حسابها عبر آلة تورنغ وآلة تورنغ هذي تعبِّر عن نموذج رياضي للحساب يقوم بتعريف آلة مجردة abstract machine تتلاعب بالرموز على قطعة من شريط استنادا إلى جدول من القوانين وبالرغم من يُسْر آلة تورنغ إلا أنها تستطيع محاكاة أي خوارزمية

وأما رياضيا فإن تشيرش قد صاغ جانبه منها بالنص على أن أيّ دالة قابلة للحساب بفعالية هي قابلة للحساب اللامديّ Lambda-computable وحساب لامدا نظامٌ رسمي في المنطق الرياضي يعبِّر عن الحساب استنادا إلى تجريد الدوال function abstraction. وقد ظهر كلين Kleene بأطروحة تخصه ينص فيها على أن أي دالة قابلة للحساب بفعالية فهي ترجيعية جزئيًّا partial recursive وما جاء به كلين يُعدُّ تعميما للدوال الترجيعية التي قد تكون غير معرَّفة لبعض المُدخلات وأعني بالدوال الترجيعية تلك تستطيع آلة تورنغ حسابها. كذلك فإن خوارزميات ماركوف Markov algorithms وهنّ نظام تلاعب سلسليّ string manipulation system يستخدم قوانين نحوية grammar-like rules ليشتغل على سلاسل من الرموز string of symbols، يُعتَبَرن مساويات لآلات تورنغ وحساب لامدا من ناحية القوة التحسيبية computational power

ليست الأطروحة مبرهنة رياضية وإنما فرضية حول طبيعة الدوال الحسابية فلا يمكن إثباتها رسميا لأن مفهوم "القابلة للحساب بفعالية" effective computability ليس رسميا informal وليس دقيقا رياضيًّا وعلى أية حال فلم توجد حالة واحدة counterexample تعارض الأطروحة وتدحضها فليس عندنا دالة واحدة من الدوال التي يمكن حسابها بَدهيا intuitively computability قد أُظهِرَ أنها غير قابلة للحساب عبرَ آلة تورنغ أو حساب لامدا!

مؤديات الأطروحة وسيعة وشديدة العمق فهي تُظهر أولا عالمية التحسيب universality of computation فإذا أُثبِتَت فإن كل أنظمة التحسيب القوية متساوية قياسا إلى الدوال التي تستطيع حسابها وهذا لا يشمل آلات تورنغ وحساب لامدا فحسب بل يمتد إلى الحواسيب الحديثة ولغات البرمجة وأي نظام تحسيبي من الممكن اختراعه مستقبلا، بمعنى أن هذه الأنظمة قد تتفاوت في الفعالية ولكن ليس في القوة التحسيبية الأساسية

وثانيا فإن الأطروحة تؤذن بوجود الدوال غير القابلة للحساب وأشهر الأمثلة هاهنا هي معضلة التوقف halting problem والتي تحاول معرفة إذا ما كانت آلة تورنغ معينة ستتوقف بإعطاء مدخل معين وقد أثبت تورنع أنه لا يمكن لآلة تورنغ أن تحلحل معضلة التوقف لكل المدخلات الممكنة مظهرا أن عندنا حدود جوهرية لطبيعة الحساب وما يمكن حسابه

وثالثا فإنها تشكل أساس نظرية القابلية للحساب ونظرية التعقيد إذ تسمح بتصنيف المشكلات إلى قابلات للتقرير decidable وغير قابلات للتقرير وتكون المشكلة قابلة للتقرير إذا وُجِدَت آلة تورنغ تتوقف halts دوما وتقرر المشكلة تقريرا صحيحا. وأما المشكلات غير القابلة للتقرير -كمعضلة التوقف- فلا يمكن لأي آلة تورنغ أن تحلها.

ورابعا فإنها تحمل مؤديات لفلسفة العقل والذكاء الاصطناعي فإذا كان العقل البشري نظاما حاسوبيا computational system (حسبما تقول النظرية التحسيبية للعقل computational theory of mind) وإذا أُثبتَت الأطروحة فإنها ستغدو عمليةً ممكنة أن يُحاكَى العقل البشري من قبل آلة تورنغ! وهذا هو أساس الذكاء الاصطناعي القوي Strong AI الذي ينص على إمكانية هندسة الآلة بحيث تحوي حالات عقلية تساوي وظائفيا عقل الإنسان. عموما لا زال هذا موقفا فلسفيا مع جدال مستعر بين أطراف القضية

ولها مؤدى كبير آخر Physical Church-Turing thesis الذي يتطرق للحواسيب الكمومية وأي شكل فيزيائي آخر للحواسيب لعل الحديث يأتيه لاحقا...
```