الضوضاء تزعجني، أكرهها أكثر من أي شيء آخر؛ أكون في نعمة من الله إذ أقرأ وأدوِّن...

الضوضاء تزعجني، أكرهها أكثر من أي شيء آخر؛ أكون في نعمة من الله إذ أقرأ وأدوِّن أو أفكر بهدوء بارد كالثلوج، وغليان حامٍ كالبراكين، إلى أن يبدأ الناس بالتوقف عن كونهم من البشر، فتسمع شلةً في الشارع لا تستطيع المشي إلا وقد ارتفعت أصواتها وبدأت الزعيق، أو سائق سيارة لا يستطيع المرور عمن يعرفهم إلا وأقسم أن يسلم عليهم عبر إطلاق بوق سيارته بشكل متواصل، هؤلاء الذين يزعقون أحاول أحيانا أن أركز فيما هم مختلفون حوله، فإذا بهم يتداولون الحديث بصراخ عن الفائر في اللعبة التي كانوا يلعبونها، أو ماذا حصل لواحد منهم قبل سنة ونصف، وكم وددت لو استخدمت طريقتهم في الهمهمة في خوارزمية تشفير، بحيث لا يمكن فهمها أبدا، أنعم الله علي بانعدام الجيران من حولي، ووجود ما يشبه غابةً صغيرة، إلا أن شارعًا بجانبي هو من الشوراع التي تربط شمال الضفة الغربية بجنوبها، وبذا لا يمر يوم من غير إرهاق للأذن وازعاج للدماغ.

حينما أكون في منتصف كتابٍ أقرأ، فإن ذهني يكون من النشاط والتركيز إلى الحد الذي أشعر بدماغي تغلي، وأحيانا أقرأ الصفحة الواحدة ثلاث مرات متتالية، كل مرة أقرأها بعقلية مختلفة، ولا أنفَكُّ أطرقها من عدة زوايا، وأقصى الزوايا أن أحاول قدر المستطاع تخيُّل أعتى النقود الممكنُ توجيهُها إلى الفكرة، وإذ ذاك أشرع في بناء دفاعات ضد النقود الممكنة. الآن، هاهنا أكون في عالَم آخر، فما أن أسمع ضجيجا حتى أثور وتكاد أعصابي تَتَقطع، ويضيع مني ذلك الجو، أما إن كنت أفكر أو أكتب، فإن المصيبة أعظم، إذا ما تقطَّع حبلُ أفكاري أو جفَّ حبرُ قلمي فإنني أحس بالاختناق. صوت دماغي أعلى من صوت الواقع، فإنْ حاول صوت الواقع أن يعتلي فوق صوت دماغي، حصلت حربٌ ضروس أقل نتائجها أن يضيع الصفاء ويتعكر المزاج ويتفتت التركيز.
```