الجامعات لا تفرق عن الشركات الاستثمارية، سوى أن الأخيرة لا تعِدُك بشيء بعد أن تشتري، وفي حين أنك تدفع أموالا للجامعة، فإنها تقدم لك وعودا لا تنقطع؛ تحصيل العلم وتحصيل الرزق بذلك العلم، إلا أنها تفشل في ذينك الوعدَيْن، هذا ينسحب عموميًّا على الجامعة من حيث هي جامعة، أما الجامعات العربية فهي تبيعك رخيص العلم بغالي المال، ومن حيث الوعود فهي تقدم وعودا أكبر من أحجامها بكثير
الآن، بالنسبة لعلم الحاسوب، فهو من التخصصات التي تُدرَّس بطرائق بئيسة جدا، عربيا أو غربيا أو غيره، أنت أمام تخصص علمي اسمه "علم الحاسوب"، لكن لا علاقة للمواد المُدرَّسة بذلك الاسم، إنما لو سمَّوه هندسة برمجيات Software engineering لكان لائقًا، فهندسةُ البرمجيات التخصصُ الأقل علمية من بين كل فروع علم الحاسوب التطبيقية، لا صرامة رياضية، ولا نظريات علمية تدَّعمه، كذلك لغات البرمجة التي يتم تدريسها، بالغة السوء، شديدة السَّوَءات، قميئة التصميم من الناحية النظرية، وقد كان بالوسع تدريس لغات أنظَف وأرتَب، لكنها التجارة ورائجُ السوق من يقرِّرا، لا العلم ولا النظريات، هاهنا نتذكر اعتراض دايكسترا الشهير عام 2001 على قرار دائرة علم الحاسوب في جامعة تكساس، المفيد باستبدال تدريس لغة الأناقة والصرامة Haskell باللغة التعيسة Java:
"إن هذا الخيار ينطوي على مسؤولية عظمى تجاه طلابنا، ولذا فإنه لا يمكن أن يُترك إلى رئيس قسم أو دائرة عشوائي، لكن؛ يجب أن يُفصل فيه من قِبَل مجلس ميزانية الجامعة، هذا شيء لا يمكن تركه إلى الموظفين المدنيين أو السياسيين، هنا، رجال الدولة مطلوبون!"
أما عن الجامعات الأوروبية فما أعرفه أنها أحسن حالًا بمستويات كثيرة في الرياضيات والحوسبة من أمريكا، وهنا نستحضر ورقة كتبها دايسكترا (عن حقيقة أن المحيط الأطلسي له جانبان) تحدث فيها عن اختلاف المقاربات العلمية للحوسبة، وأن جانب أوروبا وتحديدا هولندا (يقصد نفسه) أعتى وأرصن وأجرَد من الجانب الأمريكي؛ إذ يعاني الأخير من بؤس في الصرامة الرياضية.
وفيما بعد سخر أحد علماء الحاسوب الأمريكيين، ألان كاي Alan Kay، مخترع البرمجة شيئية التوجيه OOP، من دايكسترا، وكتب ورقة سماها (عن حقيقة أن أغلب السوفتوير في العالم مكتوبٌ في جانب واحد من الأطلسي)، محاولا الإشادة بأن الحوسبة لا تحتاج رياضيات صارمة. حتى قال عن دايكسترا: "الغطرسة في علم الحاسوب تُقاس بِ_نانو دايكسترا"
طبعا، الأمريكان يسخِّفون من كل شيء، ومقارباتهم العلمية تجارية، فهذا ألان كاي يبحث عن التجارة والتربح، وذلك دايكسترا يبحث عن الأصالة العلمية الرصينة.
عودٌ إلى موضوع الجامعات، مجمل ما أراه أن الجامعة في هذا العصر تعدك بشغل تعيش من وراءه، وفي نفس الوقت تطالبك بأقساط عالية، فإذا استطعت أن تشتغل من غير جامعة، فلا حاجة لك بها، وخفِّض سقف توقعاتك بخصوص أن تجد علما فيها وتستفيد منها، هذا مع التحفظ على خصوصية كل تخصص، وأخيرا، إذا ما أصبحت الجامعة وسيلة للتشدق بالمنصب الأكاديمي، وأن يبرهن المرء على علمه من خلالها، فبؤس المنصب إذَن، وبؤس العلم.