التواضع في النقاشات العلمية مسألة مصطنعة ومفتعَلة، والمثير للدهشة أن حاملي لواء التواضع في النقاشات هم أعينهم الذين يريدون من الجميع أن يعترف بأفضالهم وتعقِّمهم، والذين يحبون أن يُحرِجُوا ويعشقون إجراء الاختبارات العلمية لغيرهم بأسئلة دخيلة، ولكن ما أن تدور الحلَقة فتصلَهُم حتى ينفضُّوا فلا يعجبهم طريقة فلان على زعمٍ بأنه متكبر ويفتقر إلى التواضع.
ومن شواهد هذا أن فلانا قد ينبري موجِّها كل أصناف التعالي العلمية -يخفيها ضمنا- إلا أنه ماهرٌ أكثر من غيره في اصطناع الأدب الزائف وإحالته ثوبا ملبوسا، فينمِّق حديثه تارةً، ويزيده ذوقا حينًا، ولكنه بين هذا وذاك لا يفوِّت فرصةً ولا يضيِّع صيدا إلا محاولا إثبات أنه على صواب، وأنه صاحب علم وعميقُ معرفة، وغيره جاهل يحتاج أن يتعلم منه الكثير.
ولذا، فإنك تجد هذي الشخصيات تثور كلَّ الثورة حينما تقول له بوضوح وصراحة صادقة: "أنت جاهل"، "إنك لست تدري ما يخرج من فمك"، "تنقصك أساسات كثيرة في هذا الطرح"، وما ثورتها إلا لِأن قالب الأدب الزائف عندها جُرِحَ حتى تكسَّر فلم تعُدْ قادرةً على استخدامه؛ كذلك هو الواقع، لأن الخصم حينما يبلغ الدرجة القصوى من الوضوح فإنه يضع بقية الأطراف أمام الدخول المباشر في مضامين الأشياء وترك الأغلفة الكذابة التَّعِسَة، فاستتار المرء وراء جدار من الأدب الذي لا لزوم له هو أكبر معوِّق لنقاش يُراد من وراءه الوصول إلى نتائج حقَّة.
وعلى أية حال، لا يحق لأحد أن يفرض بضاعته المزجاة على غيره إذا ما كان من الممكن رد محل النزاع إلى مسألة ذوقية ومزاج شخصي، فالذي يصطنع الأدب الزائف إلى حد مقزز، ليس له أن يجعل من ذلك لزوما يلزم غيره، فالبشر أمزجة والناس مشارب، وليس اتباعه أسلوبا مبالَغًا فيه من الأدب سوى تعبير عن ذوق شخصي، كما أن غيره حينما يبدو عنيفا أو يزيد في الوضوح والصراحة فإنه يعبر عن مزاجه ومشربه أيضا.