# ظلالُ على جدار الكهف: هل الذكاء الاصطناعي القوي مجرد وهم؟
إن شبح الذكاء الاطصناعي الواعي يطارد الخيال الفلسفي للعلماء والعوام بسواء، وإنْ هو إلا وهم، يعتقد مؤيدو وجوده بأن الأنظمة الرسمية Formal Systems تستطيع أن تحيط بكل الوعي البشري، أي أن العوالم الداخلية للمعاني والأفهام والتجارب يمكن اختزالها في آليات مؤتمتة بشكل كاف. ولكن كما أن الظلال على جدار الكهف لا تٌظهر إلا ومضيا شاحبا من الواقع، فإن هذا الحلم الحاسوبي المفيد بأن الذكاء الاطصناعي القوي ممكن يعكس تصورا عقليا فقيرا، ومن خلال التمعن في بنية التفكير والتدقيق في حدود الأنظمة المنطقية التي ليس في الوسع الهروب منها، يتضح أن الذكاء الاصطناعي القوي ليس مجرد تحدٍّ تقني بعيد المنال فحسب، بل مستحيل من المستحيلات الفلسفية.
وفي قلب حدسية الذكاء الاصطناعي الواعي يقبع الإيمان بإمكانية اختزال الوعي البشري لعمليات ميكانيكية تقوم بها أنظمة منطقية معينة، إلا أن مبرهنات غودل لعدم الاكتمال تمثِّل أول عثرة يصطدم بها هذا الادعاء، فكما برهن غودل، أن أي نظام منطقي معقد بما يكفي ليقوم بالحساب فهو قطعا غير مكتمل، ويحوي جملا صحيحة لا يمكم إثباتها داخل النظام ذاته وعبر بدهيات.[1] رياضيا، نستطيع أن نعبر عن مبرهنة عدم الاكتمال الأولى كالآتي: لأي نظام منطقي متسق $F$ حيث يمكن إجراء قدر معين من العمليات الحسابية، فإن هنالك جملا للغة $F$ لا يمكن إثباتها ولا عدم إثباتها في $F$.[2] وبصورة أخرى فإنه لأي نظام رسمي، ستظل هنالك جمل $G$ بحيث لا يكون ممكنا اشتقاق $G$ ولا نفيها $\neg G$ باستخدام قوانين $F$.
فمبرهنات غودل لعدم الاكتمال تطيح بأساس أطروحة الذكاء الاصطناعي القوي، وكما ييشير الفيلسوف جون لوكاس، بأن أي نظام رسمي يدعي الإحاطة بكل الاستدلال البشري الرياضي سيكون بالضرورة رهينا لعدم الاكتمال الغودلي Gödelian incompleteness وباستتباع مبرهنات غودل، نستطيع إنشاء جملة حسابية صحيحة غير مبرهن عليها من قبل النظام، ولكن رياضياتيا بشريا سيستطيع بعد أن تٌعرض عليها تلك الجملة، أن يتعرف على صحتها ويؤكد عليها، وبالتالي يظهر فهما يتفوق على النظام الرسمي، فيقول لوكاس: "مبرهنات غودل تبدو لي وكأنها تثبت أن الميكانيكية Mechanism خاطئة، هي ذي القضية، أن العقول البشرية لا يمكن تفسيرها كآلات".[3]
واستنادا إلى ذلك، شن روجر بنروز حملته على الذكاء الاصطناعي القوي، ففي كتابيه "The Emperor's New Mind" (1989) و "Shadows of the Mind" (1994) طرح طرحا مفاده أن الطبيعة غير الخوارزمية للمعرفة الرياضية البشرية -كما تكشف ذلك مبرهنات عدم الاكتمال- ترفض رفضا باتا المفهوم الحاسوبي للعقل، وفي هذا يسوق بنروز حجته التي يسميها "الحالة الغودلية Gödelian case" ضد الذكاء الاصطناعي القوي:
- (G1) الرياضيون البشر لا يستعملون خوارزمية فعالة لكي يصلوا للحقائق الرياضية
- (G2) طريقة اشتغال العقل البشري يمكن محاكاتها بآلة تورنغ
- (GC) الرياضيون البشر لا يستعملون خوارزمية فعالة للوصول للحقائق الرياضية
هاهنا (G1) و(G2) لا يمكن أن تكونا صحيحتين في نفس الوقت، فهما غير متسقتين منطقيا. (G1) استتباع مباشر لمبرهنات عدم الاكتمال: فأي خوارزمية بالقوة الكافية للإحاطة بالاستدلال الرياضي البشري ستكون هي ذاتها رهنا باللااكتمال الغودلي وإذن غير معروفة وغير فعالة. فكما يشير بنروز: "الرياضيون البشر لا يستعملون خوارزمية فعالة ومعروفة للتوصل للحقائق الرياضية، بصرف النظر عن 'الخوارزمية' المعنية.[4] إذن، وإذا أقنعتنا (G1) -الحالة التي تؤكدها مبرهنات عدم الاكتمال- فإن علينا رفض (G2)، الادعاء القائل بأن الوعي البشري يمكن محاكاته محاكاة كاملة عبر آلة تورنغ. يوضح ذلك بنروز قائلا: "الحجة الغودلية تؤدي بأن المعرفة الرياضية البشرية لا بد أن تكون شيئا لا يمكن الإحاطة بها في خوارزمية تورنغية".[4]
و على ضوء هذه الحجج الفلسفية يتبين أن التفكير والوعي الإنساني لايمكن اختزالهما في نظام حسابي رمزي مهما بلغت درجة تطوره. والإصرار على البحث عن ذكاء إصطناعي قوي يمثّل الإنسان بكل أبعاده الشعورية والوجودية هو ضرب من المغالطة الفلسفية، كما عبّر عنها جون سيرل في تجربته الشهيرة "غرفة الصين" التي حاججت بأن المحاكاة الحاسوبية للسلوك الذكي لا تساوي أبدا الوعي الحقيقي.[6] فالذكاء الإصطناعي مهما تقدم يظل حبيس محدوديته الآلية خلافا للذهن البشري الذي يتمتع بالحدس والإبداع والتعالي على كل الأنظمة الشكلية . لذلك يمكن اعتبار أن مشروع الذكاء الإصطناعي القوي سيظل مجرد ظل على جدار الكهف، سراب بعيدا عن الوعي الإنساني الراسخ في كينونته الفذّة.
وفي تعزيز لحجة بنروز، يشير الفيلسوف جون سيرل إلى أن الحالة الغودلية تكشف عن "فجوة تفسيرية" بين العمليات الحسابية والفهم الدلالي. فحتى لو استطعنا بناء نظام رسمي يحاكي السلوك الذكي، فإنه سيظل يفتقر إلى المعنى والمحتوى القصدي الذي يتمتع به الوعي البشري. وهذا ما يؤكد عليه سيرل في حجته الشهيرة "غرفة الصين"، حيث يبين أن التلاعب الرمزي بالقواعد لا يكفي لإنتاج الفهم الحقيقي.[7] فالذكاء الإنساني ينطوي على سمات تتجاوز مجرد المعالجة الآلية للمعلومات، كالقصدية والوعي الذاتي والخبرة النوعية، وهي أمور لا يمكن اختزالها في خوارزميات.
ولا يكتفي بنروز بالاستدلال المنطقي ضد إمكانية الذكاء الاصطناعي القوي، بل يذهب إلى حد اقتراح أن الوعي ينبع من عمليات غير حسابية في الدماغ البشري. ففي كتابه "The Emperor's New Mind"، يجادل بنروز بأن الظواهر الكمومية اللاخطية في الأنابيب الدقيقة للخلايا العصبية قد تكون مسؤولة عن نشوء الوعي.[8] وهذا الطرح، وإن كان افتراضيا، يسلط الضوء على التعقيد الهائل للعقل البشري الذي يتحدى كل محاولات النمذجة الحاسوبية. فإذا كان الوعي فعلا ظاهرة كمومية، فإن محاكاته آليا سيكون مستحيلا بالنظر إلى الطبيعة اللاحتمية وغير الخوارزمية للميكانيكا الكمومية.
## المراجع
1. Nagel, E., & Newman, J. R. (2001). Gödel's proof (Rev. ed.). New York University Press.
2. Raatikainen, P. (2021). Gödel's incompleteness theorems. In E. N. Zalta (Ed.), The Stanford Encyclopedia of Philosophy (Spring 2021 ed.). https://plato.stanford.edu/archives/spr2021/entries/goedel-incompleteness/
3. Lucas, J. R. (1961). Minds, machines and Gödel. Philosophy, 36(137), 112-127.
4. Penrose, R. (1994). Shadows of the mind: A search for the missing science of consciousness. Oxford University Press.
5. Chalmers, D. J. (1996). The conscious mind: In search of a fundamental theory. Oxford University Press.
6. Searle, J. R. (1980). Minds, brains, and programs. Behavioral and Brain Sciences, 3(3), 417-424.
7. Searle, J. R. (1980). Minds, brains, and programs. Behavioral and Brain Sciences, 3(3), 417-424.
8. Penrose, R. (1989). The Emperor's New Mind: Concerning Computers, Minds and The Laws of Physics. Oxford University Press.
مقالة علمية